ابن عطاء الله السكندري
67
اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية
وسنتكلم على كل صفة من هذه الصفات الثلاث كلّ على حدة لتوضيح الحكمة . أما الأولى : وهي الإجابة عن كل سؤال ، فهذا يقتضي أنه أحاط بجميع العلوم والمعارف ، وهذا محال بدليل قوله تعالى : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ الإسراء : 85 ] . هذا من وجه ، ومن وجه آخر على المسؤول عن مسألة أن يراعي حال السائل في سؤاله ، قيل للإمام الجنيد رحمه اللّه تعالى : يسألك الرجلان عن المسألة الواحدة فتجيب هذا بخلاف ما تجيب هذا ؟ فقال الجنيد : إن الجواب يكون على قدر السائل لا على قدر المسائل . وروي أن أحد العلماء سئل عن مسألة فلم يجب عنها فقال له السائل : أما علمت أن من كتم علما نافعا ألجمه اللّه تعالى يوم القيامة بلجام من نار ؟ فقال له العالم : ضع اللجام واذهب ، فإن جاء من يستحقه وكتمته عنه فليلجمني . وقد سئل الإمام مالك رحمه اللّه تعالى عن اثنتين وثلاثين مسألة ، فأجاب عن ثلاث وقال في الباقي : لا أدري . أما الفقرة الثانية : وهي التعبير عن كل ما يراه من أمور ، سواء كانت حسية تتعلق بالآخرين أو كانت معنوية تتعلق به هو ، من كرامات ومكاشفات وغير ذلك من أحوال ومقامات روحانية ذوقية ، فإن تعبيره عنها دليل على جهله ، لأنه بفعله هذا يكون مفشيا للأسرار ، وقديما قالوا : قلوب الأحرار قبور الأسرار ، وهتك الأسرار من شأن الأشرار . وقال الشاعر : لا يكتم السر إلا كل ذي ثقة * فالسر عند خيار الناس مكتوم وأيضا فإن مثل هذه المشاهدات تعتبر أمورا روحانية وأسرارا ربانية لا يفهمها إلا من ذاقها ، وفي ذلك قالوا : لا يعرف الشوق إلا من يكابده * ولا الصبابة إلا من يعانيها فلا فائدة ترجى من التعبير عنها . والدليل على ما ذكرنا أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أمر سيدنا حارث بن مالك الأنصاري بعدم التعبير عما رآه قائلا له : عرفت فالزم . والحديث بتمامه هو أن الحارث بن مالك الأنصاري مرّ برسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال له : « كيف أصبحت يا حارثة ؟ » قال : أصبحت مؤمنا حقا ، قال : « انظر ما تقول ؟ فإن لكل شيء حقيقة ، فما حقيقة إيمانك ؟ » فقال : قد عزفت نفسي عن الدنيا ، وأسهرت لذلك ليلي ، وأظمأت نهاري ، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة